محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
179
الروض المعطار في خبر الأقطار
إليهم في ضيق هذا المطرد ليحرزن المسلمين هذا العدد ، فقال المثنى للناس : اجعلوا جبننا بي ولا تعبروا ، فقالوا : وكيف نصنع وقد عبر أميرنا وسليط في الأنصار وعبر أناس ، فقال المثنى : اني لأرى ما يصنعون ولولا ان خذلانكم يقبح ولا أراه يحل ما صحبتكم ، ثم عبر فالتقى الناس في موضع ضيق . وكانت دومة امرأة أبي عبيد رأت وهي بالطائف كأن رجلا نزل من السماء معه إناء فيه شراب فشرب منه أبو عبيد ورجال من أهل بيته ، فقصّتها على أبي عبيد فقال : هذه الشهادة إن شاء اللّه ، فلما التقوا قال أبو عبيد : إن قتلت فأميركم عبد اللّه بن مسعود بن عمرو بن عمير يعني أخاه ، فإن قتل فجبر بن أبي عبيد يعني ولده ، فإن قتل فأميركم فلان ، وعدّ أمراء كلّهم شرب من الاناء ثم قال : فإن قتل فأميركم المثنى بن حارثة ، وجعل على ميمنته سليط بن قيس وعلى ميسرته المثنى ، وقدم ذو الحاجب الجالنوس معه الفيل الأبيض وراية كسرى وقد أحاطت به حماة المشركين ، وكانت بين الناس مشاولة يخرج العشرة والعشرون فيقتتلون مليا من النهار ، ثم حمل المشركون فنضحهم المسلمون بالنبل وجثت رجالهم فاستقبلوا بالرماح ، فلم يقدروا من المسلمين على شيء فانصرفوا عنهم ، ثم حملوا الثانية ففعلوا مثلها ، ثم انصرفوا وحملوا الثالثة فصبروا ، فلما رأوا انهم لا يقدرون على ما يريدون من المسلمين جاءوا بالنشاب فوضعوه كأنه اكام وتفرقوا ثلاث فرق ، فقصدت فرقة لأبي عبيد في القلب ، وفرقة لسليط في الميمنة ، وفرقة للمثنى في الميسرة ، ثم صاروا كراديس فجعل الكردوس يمر معرضا بالمسلمين ويرميهم حتى كثرت الجراحات فيهم ، وأقبلت الفيلة عليها الجلاجل ، والخيول عليها التجافيف ، والفرسان عليهم الشعر ، فلما نظرت إلى ذلك خيول المسلمين رأت شيئا منكرا لم تكن ترى مثله ، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم وإذا حملت المشركون عليهم بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم فلا تقوم لها الخيل إلا على نفار ، وخزقهم الفرسان بالنشاب وعض المسلمين الألم ، وجعلوا لا يصلون إليهم فنادى سليط بن قيس : يا أبا عبيد أرأيي أم رأيك ؟ أما واللّه لتعلمن انك قد أضررت برأيك نفسك والمسلمين ، ثم قال : يا معشر المسلمين على م نستهدف لهؤلاء المشركين ؟ من أراد الجنة فليحمل معي ، فحمل في جماعة أكثرهم من الأنصار فقتل وقتلوا ، وترجل أبو عبيد وترجل الناس ومشوا إليهم فتكافحوا وصافحوهم بالسيوف ، وحمي الناس حتى كثرت القتلى بين الطائفتين جميعا ، وجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم ، فنادى أبو عبيد : احتوشوا الفيلة فقطعوا بطنها واقلبوا عنها أهلها . وواثب هو الفيل الأبيض فتعلق بخطامه ووقع الذي عليه وفعل القوم مثل ذلك ، فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه ، وضرب أبو عبيد مشفر الفيل فقطعه ، واستدبره أبو محجن فضرب عرقوبه فاستدار وسقط بجنبه ، وتعاور أبا عبيد المشركون فقتلوه ، وقيل خبطه الفيل لما قطع مشفره وقام عليه ، فلما بصر الناس بأبي عبيد تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم ، وأخذ اللواء الذي كان أمّره من بعده ، فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد فاجتره إلى المسلمين وأحرزوا شلوه ثم تجر ثم الفيل فاتقاه الفيل بيده وخبطه الفيل وقام عليه ، وتتابع أمراء أبي عبيد الذين عهد إليهم كلهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت ، وصبر الناس حتى قتلوا ، وصارت الراية إلى المثنى ابن حارثة فجاش بها الناس ساعة ثم انهزم الناس وركبهم المشركون ، ثم حمل المثنى في سبعين من بكر بن وائل أصحاب خيل مقرّحة كان يعدها للطلب وللغارة ، فقاتلهم حتى ارتفع عنهم المشركون فانضموا إلى إخوانهم من المسلمين ، ومضى الناس نحو الجسر وجاءهم المثنى وعروة بن زيد الخيل وجماعة ، ونادى المثنى : أيها الناس أنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزول حتى نراكم من ذلك الجانب ، فانتهى الناس إلى الجسر وقد سبق إليه عبد اللّه بن مرثد الثقفي أو غيره فقطعه وقال : قاتلوا من دونكم فخشع الناس فاقتحموا الفرات فغرق من لم يصبر ، وأسرع المشركون في من صبر ، وأتاهم المثنى بن حارثة فأمر بالسفينة التي قطعت فوصلت بالجسر ، وعبر الناس ، وقال المثنى للرجل الذي قطع الجسر : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : أردت أن يصبر الناس ، وأصيب يومئذ من المسلمين ألف وثمانمائة وقتل من المشركين الفان وقيل أكثر من ذلك ، وقيل أسرعت السيوف في أهل فارس وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة ولم تبق إلا الهزيمة ، فلما خبط أبو عبيد وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة وركبهم أهل فارس ، وقيل هلك يومئذ من المسلمين نحو أربعة آلاف بين قتيل وغريق ، وهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف . ولما عبر الناس عبر المثنى وقطع الجسر بعد عبورهم فعقده المشركون ، وخرج جابان ومرداشاه في ألف من الأساورة مستخفين ليسبقوا المسلمين إلى الطريق ، وبلغ ذلك المثنى فخرج يريدهما . في جريدة خيل ، فاعترضاه [ يظنانه ] « 1 » هاربا فأخذهما أسيرين
--> ( 1 ) سقطت من ع . .